الأربعاء، 16 ديسمبر 2015

حالتنا الإيمانيّة في مصرنا المسيحيّة - إلهنا المُتواضع في سِرِّي التجسُّد والفداء

في سياق ما سبق من مقالات حول "حالتنا الإيمانيّة في مصرنا المسيحيّة"، ولا سيّما نظرتنا المسيحيّة إلى الله المختلفة عن غيرنا، بل والمختلفة عن نظرتنا الشعبيّة أحيانًا، أبغي، في هذا المقال، إلقاء الضوء على سِمة رئيسة من سمات إلهنا، ألا وهي تواضعه تعالى كما يتجلّى في السِّرّين المسيحيّين، التجسُّد من جهة، والفداءمن جهة أخرى. 
tajassodzfida2-00فنظرتنا العاديّة إلى الله تعرف فخّين: إمّا أنّها تستهين بصفة تواضع الله هذه، مُعتبرةً إيّاها عرَضيّة لا جوهريّة؛ وإمّا أن تعتبرها تحقيقًا لنُبوءات العهد القديم، مُتجاهلةً أنّها اختيارٌ وقرار إلهيّان، بل ومن صميم جوهر الله.
أتوخّى، في هذا المقال، إظهار الصلة الوثيقة بين تواضع الإله الذي تجسّد والذي ذهب إلى الموت على الصليب، ذلك أنّ منطقًا واحدًا يُوجِّه هذين السِّرّين، وهو منطق التواضع الإلهيّ، وذلك إلى جانب كونه ضابط الكلّ (باليونانيّة: Pantokrator  )، والقادر على كلِّ شيء (باللاتينيّة: Omnipotens  )، والمُتسامي (بالفرنسيّة:Transcendant). فإنّما قصدي أن أُبيِّن كيف أنّ عظمته وجلاله يتجسّدان ويظهران في تواضعه.
ولقد تكلّم آباء الكنيسة، ولا سيّما الشرقيّون منهم، على "إفراغ الذات" الإلهيّ، اعتمادًا منهم على نشيد فيلبّي: "هو الذي في صورة الله، لم يُعِدّ مُساواته لله غنيمة، بل أفرغ ذاته (ékénosen)، مُتَّخذًا صورة العبد..." (فل 2: 6). وما قصدوه هو أنّ إفراغ الذات والتجرُّد والتخلِّي لا يتعلّق بالابن المُتجسِّد فحسب، بل بالآب أيضًا، ويُمكننا القول بالروح كذلك. فما قام به يسوع المسيح في سرِّ تجسُّده واكتمل في سرِّ فدائه (ما يُسمّيه اللاهوتيّون البُعد الإيقونوميّ، أي المُختصّ بالتدبير الإلهيِّ وعلاقته بالبشر)، يُعبِّر خير تعبير عن ماهيّة الله (ما يُسمّيه اللاهوتيّون البُعد الثِّيولوجيّ، أي الإلهيّ الخاصّ بالله في جوهره وكينونته). فما عاشه الله الكلمة المُتجسِّد مُدّة ثلاث وثلاثين سنة كشف لنا حقيقة الله في ذاته، وهو أنّ الأقانيم الثلاثة هم مُتواضعون مُتجرِّدون مُتخلُّون مُفرَغون في حدِّ ذاتهم. وبالتالي، فهُم يتعاملون مع البشربهذه السِّمات الإلهيّة[1].
ولمّا كان يسوع المسيح هو الذي كشف لنا سرّ الله و"أخبر عنه" (يو 1: 18)، فسنبدأ تأمُّلنا به، ومن هذا المُنطلق سنتأمّل في تواضع الآب والروح من زاويتَي التجسُّد والفداء.
أوّلًا– تواضع الابن
لقد صرّح يسوع نفسه أنّه "وديع ومُتواضع القلب" (متّى 11: 29). فكيف يظهر تواضعه من زاويتَي التجسُّد والفداء؟
نشيد فيلبّي 2: 5-11
ننطلق من هذا النشيد لأنّه من أقدم الأناشيد التي تصف سِرَّ المسيح، من تجسُّد وموت على الصليب وقيامة وتمجيد في السماء. نورده كاملًا لأنّه يخدم مسيرتنا تمامًا:
"ليكن في ما بينكم الشُّعور الذي هو في المسيح يسوع: هو الذي في صورة الله لم يَعُدّ مُساواته لله غنيمة بل أفرع ذاته مُتّخذًا صورة العبد وصار على مثال البشر وظهر في هيئة إنسان فوضع نفسه وأطاع حتّى الموت، موت الصليب. لذلك رفعه الله إلى العُلى ووهب له الاسم الذي يفوق جميع الأسماء كيما تجثو لاسم يسوع كلُّ رُكبة في السموات وفي الأرض وتحت الأرض ويشهد كلُّ لسان أنّ يسوع المسيح هو الربّ تمجيدًا لله الآب".
إنّ الكلمة المِحوريّة هي إفراغ الذات (ékénosen - kénosis)، أي إخلاء وإنكار وتجرُّد الذات؛ وذلك يظهر فعلًا في سرِّ التجسُّد  بكلمات صورة العبد، هيئة الإنسان، عدم اختلاس المُساواة والمُميِّزات الإلهيّة[2] -، وكذلك في سرِّ الفداء– بكلمات طاعته حتّى الموت مصلوبًا، رفعُه، اسمه، رُبوبيّته[3] -.
إفراغ الذات في التجسُّد
tajassodzafida2-03إنّ يسوع المسيح، منذ أن تجسّد، قد اختار طريق الإفراغ المتواضع في حياته البشريّة بعامّة، والخلاصيّة بخاصّة. ذاك الذي "هو صورة الله غير المرئيّ" (قول 1: 15)، ذاك الذي "هو شُعاع مجده وصورة جوهره" (عب 1: 3)، ذاك الذي خاطب الآب قائلًا: "المجد الذي كان لي عندك قبل أن يكون العالم" (يو  17: 5)، قد قرّر، منذ أن "أصبح بشرًا" (يو 1: 14)، أن "لا يستحي أن يدعو [البشر] إخوة [...] يشاركهم في اللحم والدم مُشاركة تامّة" (عب 2: 10-14)، بل أن يجد بينهم فرحه وملاذه؛ ألاّ يتحسّر على ما كان له من امتيازات إلهيّة، بل أن يعيش مِلء الوضع البشريّ الذي تبنّاه.
ذاك "الابن الوحيد الذي في حِضن (eis ton kolpon) الآب" (يو 1: 18)، ذاك الذي أعلن: "أنّا والآب واحد" (يو 10: 30، 17: 11، 22)، "الآب فيّ وأنا فيه" (يو 10: 38، 14: 11، 20، 17: 3)، وذلك في علاقة حميمة رابطُها المحبّة التي يُقيم فيها هو والآب (يو 15/10)، ومنبعُها الروح القدس (روم 5: 5)، منذ الأزل وقبل إنشاء العالم، هذا بعينه قد "خرج (exelten) من الآب" (يو 13: 1، 16: 27-30، 17: 8)، "ونصب خيمته بين [البشر]" (يو 1: 14) و"أتى إلى العالم" (يو 16: 28). أهناك تضحية وبذل، وإفراغ وإخلاء، وتجرُّد وتواضع أعظم من أن يترك الحضن الأبويّ والمجد الإلهيّ اللامحدود ليُشارك الإنسان في وضعه البشريّ؟ ولقد قال القدّيس إيريناوس إنّه "تعوّد"، أو "تكيّف"، أو "تطبّع" (باللاتينيّة: Accomodatio– بالفرنسيّة:Accoutumance) والوضع البشريّ، أي، بتعبيرنا المُعاصر، "نأنْسَن" (s’humaniser - humanisation)، مايؤكِّد أنّ حدثَ فعلِ التجسًّد تطلَّب منه جُهدًا مُستديمًا ليُصبح إنسانًا حقيقةً. ويُضيف إيريناوس أنّه "تكيّف" مع الوضع البشريّ لكي "يتكيّف" الإنسان مع الوضع الإلهيّ. وجدير بالتذكير أنّ إيريناوس صاحب هذه المقولة الشهيرة: "أصبح الله إنسانًا لكي يُصبح الإنسان إلهًا". إن كانت هذه المقولة تُركِّز على حدث التجسُّد نفسه، فإنّ المقولة الأُولى تُركِّز علىعمليّة التجسُّد المًستمرّة في محكِّ الزمن، من الحبل به في أحشاء مريم إلى وضعه في القبر، مُتبنِّيًا جميع الأُمور والأوضاع والمواقف البشريّة التي يعيشها الإنسان ما عدا الخطيئة، تجسُّدًا منه في واقع حياة كلِّ إنسان.
لم ينته الأمر عند هذا الحدّ، بل إنّ دخوله العالم– لا خُروجه من حضن الآب فحسب – قد تطلّب منه تجرُّدًا وإخلاء إذ "جاء إلى بيته فما قبله أهلُ بيته" (يو 1: 11): في بيت لحم لم يستضفه أحد (لو 2: 7)؛ ثمّ اضطرّ أن يهرب إلى مصر (متّى 2: 13-23)؛ ولمّا قُدِّم لله في الهيكل، تنبّأ سمعان الشيخ أنّه "جُعل لسُقوط كثير من الناس وقيام كثير منهم في إسرائيل، وآيةً مُعرَّضة للرفض" (لو 2: 34)؛ وعندما بلغ اثنتي عشرة سنة، أخذ مسافة تجاه والديه ليكون "عند أبيه"، "ولم يفهما ما قال لهما" (لو 2: 43-50)... كلّ ذلك كان تحت شارة التخلّي والتجرُّد والإخلاء، لا مجد الامتيازات الإلهيّة. ونخطو الآن خطوة أُخرى، خطوة الفداء، في أثناء حياته العلنيّة.

الثلاثاء، 1 ديسمبر 2015

لم تكترث ليسوع لكنّه اكترث لها

القراءات الكتابيّة
* 1 ملوك 17: 10 – 16
في تِلكَ الأَيَّام: قامَ إِيِليَّا النَّبّي وَمَضى إلى صَرْفَت. وَصَارَ إلى بابِ المَدينة؛ فإِذا هُناكَ أمراةٌ أرمَلَةٌ تَجمعُ حَطبًا؛ فدَعاها، وقال: «هاتي لي قَليلَ ماءٍ في أَناءٍ، لأَشرَب«. فَتَوَجَّهَت لِتَأخُذَ فَناداها، وَقال: «هاتي لي كِسرَةَ خُبزٍ في يَدِكِ«. فَقالَت: «حَيٌّ ٱلرَّبُّ إِلَهُكَ، أَنَّهُ لَيسَ عِندي مَليل، إلّا مِلءَ راحَةٍ دَقيقًا في ٱلجَرَّة، وَيَسيرًا مِنَ ٱلزَّيتِ في ٱلقارورَة. وَها أَنا أَجمَعُ عودَينِ مِنَ ٱلحَطَبِ لِأَدخُلَ وَأَصنَعَهُ لي وَلِٱبني، وَنَأكُلَهُ ثُمَّ نَموت«. فَقالَ لَها إيلِيّا: «لا تَخافي. أُدخُلي، فَٱصنَعي كَما قُلتِ. وَلَكِن إِصنَعي لي مِن ذَلِكَ أَوَّلًا قُرصًا صَغيرًا، وَأَتيني بِهِ. ثُمَّ إِصنَعي لَكِ وَلِٱبنِكِ أَخيرًا. فَإِنَّهُ هَكَذا قالَ ٱلرَّبُّ إِلَهُ إِسرائيل: إِنَّ جَرَّةَ ٱلدَّقيقِ لا تَفرُغ وَقارورَةَ ٱلزَّيتِ لا تَنقُص، إِلى يَومِ يُرسِلُ ٱلرَّبُّ مَطَرًا عَلى وَجهِ ٱلأَرض«. فَمَضَت وَصَنَعَت كَما قالَ إيلِيّا، وَأَكَلَت هِيَ وَهُوَ وَأَهلُ بَيتِهِا أَيّامًا، وَجَرَّةُ ٱلدَّقيقِ لَم تَفرُغ وَقارورَةُ ٱلزَّيتِ لَم تَنقُص، عَلى حَسَبِ كَلامِ ٱلرَّبِّ ٱلَّذي تَكَلَّمَ بِهِ عَلى لِسانِ إيلِيّا.
* عبرانيين 9: 24 – 28
لِأَنَّ ٱلمَسيحَ لَم يَدخُل قُدسًا صَنَعَتهُ ٱلأَيدي رَمزًا لِلقُدسِ ٱلحَقيقي، بَل دَخَلَ ٱلسَّماءَ عَينَها لِيَمثُلَ ٱلآنَ في حَضرَةِ ٱللهِ مِن أَجلِنا. لا لِأَنَّهُ سَيُقَدِّمُ نَفسَهُ عِدَّةَ مَرّات، كَما يَدخُلُ عَظيمُ ٱلأَحبارِ ٱلقُدسَ كُلَّ سَنَةٍ بِدَمٍ غَيرَ دَمِهِ. وَلَو كانَ ذَلِك، لَكانَ عَلَيهِ أَن يَتَأَلَّمَ مِرارًا كَثيرَةً مُنذُ إِنشاءِ ٱلعالَم، في حينِ أَنَّهُ لَم يَظهَر إِلّا مَرَّةً واحِدَةً في آخِرِ ٱلأَزمِنَة، لِيُزيلَ ٱلخَطيئَةَ بِذَبيحَةِ نَفسِهِ. وَكَما أَنَّ ٱلنّاسَ يَموتونَ مَرَّةً واحِدَة، وَبَعدَ ذاكَ يَومُ ٱلدَّينونَة، فَكَذَلِكَ ٱلمَسيحُ قُرِّبَ مَرَّةً واحِدَةً لِيُزيلَ خَطايا جَماعَةِ ٱلنّاس. وَسَيَظهَرُ ثانِيَةً، لِلَّذينَ يَنتَظِرونَهُ لِيُخَلِّصَهُم، مِن غَيرِ أَن يَكونَ لَهُم صِلَةٌ بِٱلخَطيئَة.
* مرقس 12: 38 – 44
في ذَلِكَ ٱلزَّمان، قالَ يَسوع في تَعليمِهِ: «إِيّاكُم وَٱلكَتَبَة. فَإِنَّهُم يُحِبّونَ ٱلمَشيَ بِٱلجُبَب، وَتلَقّي ٱلتَّحِيّاتِ في ٱلسّاحات، وَصُدورَ ٱلمَجالِسِ في ٱلمَجامِع، وَٱلمَقاعِدَ ٱلأَولى في ٱلمَآدِب. يَأكُلونَ بُيوتَ ٱلأَرامِل، وَهُم يُظهِرونَ أَنَّهُم يُطيلونَ ٱلصَّلاة. هَؤلاءِ سيَنالُهُمُ ٱلعِقابُ ٱلأَشَدّ«. وَجَلَسَ يَسوعُ قُبالَةَ ٱلخِزانَةِ يَنظُرُ كَيفَ يُلقي ٱلجَمعُ في ٱلخِزانَةِ نُقودًا مِن نُحاس. فَأَلقى كَثيرٌ مِنَ ٱلأغنِياءِ شَيئًا كَثيرًا. وَجاءَت أَرمَلَةٌ فَقيرَة، فَأَلقَت عُشَرين، أَي فَلسًا. فَدَعا تَلاميذَهُ، وَقالَ لَهُم: «ٱلحَقَّ أَقولُ لَكُم: إِنَّ هَذِهِ ٱلأَرملَةَ ٱلفَقيرَةَ أَلقَت أَكثَرَ مِن جَميعِ ٱلَّذينَ أَلقَوا في ٱلخِزانَة. لِأَنَّهُم كُلَّهُم أَلقَوا مِنَ ٱلفاضِلِ عَن حاجاتِهِم. وَأَمّا هِيَ، فَإِنَّها مِن حاجَتِها أَلقَت جَميعَ ما تَملِك، كُلَّ رِزقِها«.
العظة
ما اسم الأرملة التي ألقت بفلسيها في صندوق التبرّعات للهيكل؟ لا أحد يعرف. إنّه اللقاء الوحيد ليسوع بشخصٍ لا يلاحظ حضور يسوع، ولا يأتي إليه، أو لا يأتي يسوع إليه، ولا يتمّ أيّ حوارٍ بينهما. كان يسوع ينظر «كيف» يلقي الجمع نقودهم في الخزانة. ولعلّ كلّ القضيّة تكمن في هذا الكيف.
هناكَ مَن يتردَّد أمام عطاء ما يفيض عن حاجته. إنّه يخشى ألاّ يذهب ما يقدّمه في الاتّجاه الذي يريده، أو يخشى أن يُخدَعَ. كأن يقنعه شخص بأنّه معوز وهو ليس كذلك. أمام هذه الخشية نرى أصابع الكفّ تنطوي على ذاتها قليلاً أو كثيرًا، والعطاء يشحّ.
هناك مَن يتعلّق بما سيعطيه ممّا يفيض عن حاجته، ويرى أنّه بحاجة إليه، وهو أحقّ من الآخر الذي سيأخذه، فيخصم جزءًا ممّا سيقدّمه، ويعطي القسم الثاني بدون سخاء قلب.
وهناك مَن يقيم صفقة مع الله، صفقة رابحة. أعطيك ما يفيض عن حاجتي مقابل أن تعطيني، وكأنّ الله ينتظر عطاءه كي يرد، في حين أنّ الله هو الذي يبادر، وبدون شروط، فقط بأمنية أن يتمّ التجاوب والتبادل بين الطرفَين، علامةً على المحبّة التي تربط بينهما.
وهناك مَن يقدّم ما يفيض عن حاجته وجاهةً أمام الناس، كي يسمع منهم المديح والثناء. هذا الإنسان لا يفعل ما يفعله حبًّا بالآخرين، ولا حبًّا بالله، بل حبًّا بنفسه.
لقد رأى يسوع هذه النماذج وانتقدها. ثمّ رأى امرأةً، وهي لم تره. رآها تلقي، وهنا علينا أن ننتبه إلى العبارة والإلحاح: «جَميعَ ما تَملِك، كُلَّ رِزقِها». فكلمتا جميع وكل تذكّرانا بخلاصة الشريعة والأنبياء: أحبب الربّ إلهك من كلّ... ليس الفلس هو الذي لفت انتباه يسوع، بل حركة الكل، الكفّ السخيّ ممدود الأصابع.
المشكلة التي نواجهها هو أنّنا لسنا أرامل، ولسنا مُعدَمين. فكيف نقدّم لله هذا الكل؟ هل نتخلّى عن كلّ ما نملكه؟ ما الّذي يستطيع إنسان ميسور الحال أن يفعله كي تنطبق عليه صفات الأرملة الّتي نالت إعجاب يسوع وأثنى عليها؟ هوذا السؤال الّذي ينبغي أن نطرحه كلّ واحدٍ على نفسه.
إنّ تقديم فلس الأرملة هو أساس روحانيّة المحبّة المسيحيّة. وفلس الأرملة ليس مالاً بالضرورة، بل قد يكون وقتًا. وإذ لا وقت لدينا، أصبح الوقت فلسنا الّذي يستحقّ مديح يسوع. إذا أردنا أن نتشبّه بالأرملة علينا أن نصادق الفقير؛ أن نزوره؛ أن نتعرّف إليه؛ أن نقضي معه وقتاً لنتحادث ونتسامر «هو بقربنا ونحن بقربه». لا نريد أن نمدّ أيادينا إليه لنساعده بل لنصافحه، لنقول له: أنت صديقنا ونحن نحبّك. فالحبّ لا يُقدّر بالمال. الحبّ لا يُقاس بمعيار، الحبّ يُعاش في العلاقة.
وكما أنّ الأرملة كانت عبرة، كذلك يستطيع الفقير أن يكون لنا عبرة. فحياته تعلّمنا كيف نشكر الله على أبسط الأمور الّتي لدينا، الأمور الّتي، من شدّة تواجدها، لم نعد حتّى نلحظها. نشكر الله على الطعام الّذي نأكله، على الماء الساخن الّذي نغتسل به، على الحذاء غير المهترئ الّذي نلبسه... الفقير يعلّمنا كيف نفرح بأبسط الأمور: بلعبةٍ صينيّةٍ رخيصة، بقطعة حلوى رديئة، بقميص بسيط، بأداة تجميلٍ ساذجة. الفقير يعلّمنا الضيافة والاستقبال والبساطة في العيش والثقة بالآخر والابتسام في وادي الدموع. والأهمّ من هذا كلّه، الفقير يعلّمنا التوكّل على الله والاستسلام للعناية الإلهيّة.
قد يكون فلسنا هو الحضور. حين وقفت مريم العذراء عند الصليب، لم تفعل شيئاً سوى أنّها كانت حاضرة. كان هذا كلّ ما يمكنها أن تفعله، كان هذا أعظم ما تفعله. لقد شاركت ابنها آلامه من خلال الحضور. لا يستطيع أحد أن يتألّم بدل الآخر، ولكنّه يستطيع أن يتألّم مع الآخر. وحضورنا إلى جانب الفقير يريد أن يكون مشاركة في ألمه، في عجزه، في ضعفه. من الآن، لن يتألّم وحده، بل سنتألّم معه، لعلّنا نردّ للمسيح، المتجسّد في شخص الفقير، بعض ما تحمّله من ألمٍ بسبب خطايانا. فرسالتنا ليست مبادرة بل سداد دينٍ توجّب علينا تجاه المسيح، وهو يقول لنا: لي عليكم دين، فادفعوه لممثّلي على الأرض، للفقير الّذي يعيش في مدينتكم. والعملة الّتي سنسدّد بها الدَين هي الوقت الّذي سنخصّصه له، على الرغم من انشغالاتنا، وعلى الرغم من الصعوبات الّتي نواجهها في التسديد. إنّه فلسنا، وفي الهيكل، أي في بيت الفقير، حيث يقيم الله، نسعى إلى دفع الحساب.

ساعة ضيق، يوم تهليل

ساعة ضيق، يوم تهليل - بقلم الأب هانس بوتمان اليسوعيّ
القراءات الكتابيّة
* دانيال 12: 1 – 3
في ذلك الزَّمان: يَقومُ ميكائيلُ الرَّئيسُ العَظيم، القائِمُ لِبَني شَعبِك، وَيَكونُ وَقتُ ضِيقٍ لم يَكُنْ، مُنذُ كانَتْ أُمَّةٌ إِلى ذلك الزَّمان. وفي ذلك الزَّمان، يَنْجُو شَعبُك، كُلُّ مَن يوجَدُ مَكْتوبًا في الكِتاب  .   وَكَثيرونَ مِنَ الرَّاقِدينَ في تُرابِ الأَرض، يَستَيقِظون: بَعضُهم لِلحَياةِ الأَبَدِيَّة، وبَعضُهم لِلعارِ والرَّذلِ الأَبَدِيّ. ويُضيءُ العُقَلاءُ كَضِياءِ الجَلَد، والَّذينَ جَعَلوا كَثيرينَ أَبْرارًا، كالكَواكِبِ إِلى الدَّهرِ والأَبَد.
* عبرانيين 10: 11 – 14. 18
يَقِفُ ٱلكاهِنُ كُلَّ يَومٍ فَيَقومُ بِٱلشَّعائِرِ وَيُقُرِّبُ ٱلذَّبائِحَ نَفسَها مِرارًا، وَلا يُمكِنُها أَبدًا أَن تَمحُوَ ٱلخَطايا. أَمّا (يَسوعُ) فَقَد قَرَّبَ ذَبيحَةً واحِدَةً كَفّارَةً لِلخَطايا، ثُمَّ جَلَسَ عَن يَمينِ ٱللهِ لِلأَبَد، مُنتَظِرًا بَعدَ ذَلِكَ «أَن يَجعَلَ أَعداءَهُ مَوطِئًا لِقَدَمَيه«. لِأَنَّهُ بِقُربانٍ واحِدٍ جَعَلَ ٱلمُقَدَّسينَ كامِلينَ أَبَدًا. فَحَيثُ يَكونُ غُفرانُ ٱلخَطايا وَٱلآثام، لا يَبقى مِن قُربانٍ مِن أَجلِ ٱلخَطيئَة.
* مرقس 13: 24 – 32
وفي تلكَ الأَيَّامِ بَعدَ هذهِ الشِّدَّة، تُظلِمُ الشَّمسُ والقَمَرُ لا يُرسِلُ ضَوءَه، وتَتَساقَطُ النُّجومُ مِنَ السَّماء، وتَتَزَعزَعُ القُوَّاتُ في السَّموات. وحينَئذٍ يَرى النَّاسُ ابنَ الإِنسانِ آتِيًا في الغَمام في تَمامِ العِزَّةِ والجَلال. وحينَئذٍ يُرسِلُ مَلائكَتَه ويَجمَعُ الَّذينَ اختارَهم مِن جِهاتِ الرِّياحِ الأَربَع، مِن أَقْصى الأَرضِ إِلى أَقْصى السَّماء. مِنَ التِّينَةِ خُذوا العِبرَة: فإِذا لانَت أَغْصانُها ونَبَتَت أَوراقُها، عَلِمتُم أَنَّ الصَّيفَ قَريب. وكذلكَ أَنتُم إِذا رأَيتُم هذهِ الأُمورَ تَحدُث، فَاعلَموا أَنَّ ابنَ الإِنسانِ قَريبٌ على الأَبواب. الحَقَّ أَقولُ لَكم: لن يَزولَ هذا الجيل حتَّى تَحُدثَ هذه الأُمورُ كُلُّها. السَّماءُ والأَرضُ تزولانِ وكَلامي لن يزول. وأَمَّا ذلكَ اليومُ أَو تِلكَ السَّاعة فما مِن أَحَدٍ يَعلَمُها: لا المَلائكةُ في السَّماء، ولا الِابنُ، إِلاَّ الآب.
العظة
المقدّمة: قريبًا ندخل في زمن المجيء وتبدأ سنة ليترجيّة جديدة. غالبًا ما تتحدّث الآحاد الأخيرة من السنة عن نهاية الأزمنة والعلامات المواكبة لها. يقول النبيّ دانيال: "وَيَكونُ وَقتُ ضِيقٍ لم يَكُنْ، مُنذُ كانَتْ أُمَّةٌ إِلى ذلك الزَّمان." (12: 1).
1- وقت ضيق
كلّ أنحاء العالم، "وطننا المشترك" كما يطلق عليه البابا فرنسيس في رسالته العامّة، في غليانٍ؛ إعصار مدمّر في المكسيك، زلزال في باكستان، عاصفة قويّة لا سابق لها في الفيليبين، الجفاف في العديد من الأماكن وفيضانات في أماكن أخرى. الأرض مهدّدة ومتزعزعة كما لم تكن يومًا.
وهنا نحن نتحدث فقط عن الكوارث الطبيعيّة التي لسنا مسؤولين عنها إلّا بشكل غير مباشر. ولكن ماذا عن الفظائع المرتكبة من الإنسان تجاه أخيه الإنسان؟! أولئك الذين يفجّرون أنفسهم وسط حشد من الأبرياء، والذين تُقطع رؤوسهم بسبب دينهم وحتى أحيانًا في وجود أبنائهم؟!. وأولئك المجبرون على حفر قبورهم بأيديهم أو حرقهم وهم أحياء، أو الذين يباعون كعبيد؟!
في العالمين، على الساحل الشمالي لمصر، توجد 100.000 مقبرة لشبّان: الحلفاء، الايطاليين والألمان، من جنود الحرب العالميّة الثانية، حيث نقشت عند مدخل المدينة كتابة تقول: "ليكن هؤلاء الشباب الّذين لاقوا مصرعم هنا في هذه الصحراء، بمثابة تحذير للأجيال المقبلة لتجنّب مثل هذه الحماقات". لا ننسى دروس الماضي بسرعة فقط، إنّما نبتكر طرقًا أكثر سوءا وأكثر تطوّرًا لتدمير بعضنا بعضًا.
2. ساعة ضيق أو يوم تهليل؟
ماذا نقول أمام هذا القدر من الضيق؟ هل هي علامة نهاية الأزمنة؟ هل علينا ان نعيش في حسرة تشلّنا، أو يمكننا أن نهلّل لأنّ يوم الربّ قريب؟ هل حان وقت يأتي ابن الإنسان ليدين كلّ بحسب استحقاقه أو خطورة جرمه؟ يقول النبيّ دانيال: "يَستَيقِظون: بَعضُهم لِلحَياةِ الأَبَدِيَّة، وبَعضُهم لِلعارِ". أيكون يوم الربّ "يوم الغضب" (كما يطلق عليه الشباب الفلسطينيّين) أم "يوم الخلاص"؟
تعطي قراءات هذا الأحد جوابًا. يقول دانيال أنّه يوم ضيق كما لم نراه من قبل، وسيكون في الوقت عينه يوم الخلاص. وفي الرسالة إلى العبرانيين نقرأ: " أمّا يسوع المسيح فقد قرّب ذبيحة واحدة جعل بها ٱلمُقَدَّسينَ كامِلينَ أَبَدًا".
ويعلن القدّيس مرقس في إنجيل هذا الأحد أنّ ابن الانسان سيأتي في وسط النجوم التي ستتساقط والدول التي ستتزعزع "بقوّة ومجد عظيمين".
3. أمّا اليوم والساعة فما من أحد يعرفهما:
وبما أنّ لا أحد يعلم وقت مجيئه، فطريقة الاستعداد الوحيدة لاستقبال السيّد عندما يأتي، هو أن نكون "أمينين يوما بعد يوم محافظين على مصابيحنا مشتعلة وعملة مخلصين".
لا يريدني الله أن أعيش بخوف مستدام، ولا أن أستقيل وأختبئ في اللامبالاة. يريدني ابن الانسان أن أعيش بثقة من "هو الضامن لنصيبي" (مز 16) وأن أنظر إلى أغصان شجرة التين التي تلين وأتفحًّص الثمرة التي تولد. لسنا بحاجة "لأنبياء متشائمين"، وإنّما لرسل يرون علامات الربيع في كلّ مكان (بخلاف ما يسمّى "الربيع العربي").
إنّ الأوراق الطريّة في مجتمع جديد أو المهاجرين الّذين استقبلوا من السكّان المحليّين، أو ... لا يرفضون مشاركة أخوتهم وأخواتهم لا في العوز ولا في الغنى المتبادل!
إنّ اليوم والساعة الّلذين لا يعرفهما أحد، ليكونا اليوم...  ليقول الأغنياء والفقراء، المواطنون واللاجئون، ذوي البشرة البيضاء والبشرة السوداء، المسيحيّون والمسلمون، مع مزمور هذا الأحد 16 (15): "لذلك فرح قلبي وابتهجت نفسي... ستبيّن لي سبيل الحياة. أمام وجهك فرح تام وعن يمينك نعيم على الدوام".

السبت، 28 نوفمبر 2015

القدّيس شارل غارنييه

لم يتوقّع أحد من ابن الأمراء وسليل الملوك أن يتخلّى عن كلّ شيء حبًا للملك السماويّ. لكنّ شارل غارنييه عرف من خلال الرياضات الروحيّة للقدّيس إغناطيوس كيف يختار النضال تحت راية يسوع لنشر الإيمان وإعلان البشرى للشعوب المتوحّشة، فيليّن قلبها ويجعلها تتخلّى عن طباعها الشرسة، وتدخل في كنيسة المسيح وترنّم لله التسابيح.
Ch.Garnier-00رغمّا عن أنف أبيه
وُلد شارل غارنييه في باريس يوم 26 أيار (مايو) 1606 لأب ثريّ من أعضاء أسرة الملك هنري الثالث. ورغم التَرف الذي عاش فيه، كان قلبه يتوق إلى خدمة الله، ويشتعل غيرة على نشر الدين المسيحيّ في جميع أنحاء العالم. فدخل الرهبانيّة اليسوعيّة وهو في الثامنة عشرة من عمره، ودرس الفلسفة واللاهوت، ونال سرّ الكهنوت سنة 1635. وفي اليوم التالي لرسامته، عَلِم والده أنّه طلب رسميًّا من رؤسائه أن يذهب إلى بلاد الرسالات البعيدة. فعارض رغبته معارضة شديدة، واستعمل جميع ما في وسعه من وسائل ليُبقيه بجانبه. لكنّ الكاهن الشاب تمسّك بما قاله يسوع: "مَن أحبّ أبًا أو أمًّا أكثر ممّا يحبّني فلا يستحقّني". لذلك ألحّ في طلبه، حتى أذعن الوالد لمشيئة ابنه.
وفي يوم 8 نيسان (أبريل) 1636، أبحر مركب من ميناء دِيِيب Dieppe وعلى متنه ثلاثة مرسلين وأحدهم الأب غارنييه. ووصلت السفينة إلى ميناء كيبيك، ونزل اليسوعيّون إلى أرض العالم الجديد، وذهبوا لتوّهم إلى منطقة الأنهار الثلاثة، حيث كان الهورون يقايضون إنتاج العالم الأوروبيّ بفرو الحيوانات التي اصطادوها. وسافروا معهم في الزوارق إلى إيهوناتيريا Ihonatiria، ووصلوها في يوم 13 آب (أغسطس)، حيث استقبلهم الأب يوحنا ده بريبوف، وعكف على تعليمهم لغة الشعب وعاداته.
في سبيل الملكوت
كانت فرحة الأب غارنييه برسالته عظيمة. ففي خطاب بعث به إلى أبيه قال¨"... ما من مكان على الأرض يستطيع أن يمنحني السعادة التي أشعر بها".
وأمضى سننتين في تعلّم اللغة الهورونيّة على يد أستاذ محنّك وهو الأب بريبوف. وبعد ذلك ذهب مع الأب إسحق جوغ إلى أوسّوسانهِ ليبشّرا الهنود البتون Petun، فوجداهم معادين لذويّ الثوب الأسود – وهو الاسم الذي كان الهنود يطلقونه على اليسوعيّين – لِما سرت عنهم من إشاعات تفيد بأنّهم سبب الوباء الذي اجتاح البلاد سنة 1636، فقضيا الشتاء هناك، ثمّ عادا وهما قانعين من الغنيمة بالإياب إلى أوسّوسّانهِ. لكنّ الأب غارنييه لم ييأس، بل عاد ثانية مع الأب بيجار وكان الهنود أقلّ عنفًا من المرّة السابقة لأنّه لم تحلّ بهم مصيبة حين كان اليسوعيّون معهم أو بعد رحيلهم. ومكث الأب غارنييه في تلك المنطقة عدّة سنوات، وأسّس فيها إرساليّتين سلّم الأولى، وهي في إكارِّنيونْدي إلى الأب غارّو، وتسلّم هو الثانية في إتاريتا. وبنى كنيستين، وصار يعلّم الكبار والصغار التعليم المسيحيّ، فكلّل الله جهوده بالنجاح، وفي مدّة قصيرة عمّد 184 هنديًّا.
الراعي الصالح
Ch.Garnier-01لكنّ السعادة لم تدم طويلا. فقبائل الإيروكوا المتوحشّة بدأت تشنّ هجماتها على الهورون، وتحرق قراهم وتقتل مَن يعترض سبيلها وتأكل أجزاء من جسمه. فعاشت المنطقة في هلع وخوف، خصوصًا بعد أن وردت الأنباء عن هجوم المتوحّشين على تينوستايه وحرقها وقتل الأب أنطوان دانيال اليسوعيّ في شهر تموز (يوليو) 1648. وبعد سنة، علِم الهورونيّون بأنّ الإيروكوا ينوون شنّ حرب على البتون، وأقسموا أن يحرقوا قراهم في فصل الشتاء. فساد الهلع نفوس الشعب، واضُطّر الأب غارنييه إلى إرسال رفيقه ميلاد سابانيل إلى قرية القدّيسة مريم لكي لا يزيد عدد ضحايا الهجوم المتوقّع بدون مبرّر، وشرع يتأمّل كلام الإنجيل: أنا الراعي الصالح. والراعي الصالح يبذل نفسه في سبيل الخراف. وأمّا الأجير، وهو ليس براعٍ وليست الخراف له، فإذا رأى الذئب مقبلاً، ترك الخراف وهرب. فيخطف الذئب الخراف ويبدّدها. وذلك لأنّه أجير لا يبالي في الخراف.
وفي يوم 7 كانون الأوّل(ديسمبر)، بينما هو يقوم بجولته المعتادة ويزور العُجّز اللذين لا يبرحون أكواخهم بسبب الثلوج، سمع صراخًا: " الإيروكوا... الإيروكوا...". فركض إلى ساحة البلدة، وهناك رأى المغيرين يفتكون بالنساء والأطفال. فصار يحثّ الناس على الهروب إلى الغابة. وفيما هو يتنقّل من كوخ إلى كوخ، اصابته رصاصة في صدره، وأخرى اخترقت أحشاءه، فسقط على الأرض. عندئذٍ، هجم عليه المتوحّشون، وعرّوه من ثيابه، ورموه فوق الثلج ليموت من البرد. وحين استعاد وعيه، رأى محاربًا من أهل قومه بالقرب منه، يتأوّه من الألم. فجمع ما بقي لديه من قوّة، وزحف نحوه بصعوبة، ورآه واحد من الإيروكوا، فانقضّ عليه، وسلخ جلدة رأسه. وأغمد رمحًا في صدغه، خرج سنانه من الطرف الآخر.
ومن بعيد، رأى الأب غارّو، في قرية القدّيس متى، دخانًا كثيفًا يتصاعد من قرية إتاريتا، فأدرك أنّهم هالكون لا محالة. لكنّ العناية الإلهيّة شاءت أن يوقف المغيرون وحشيّتهم عند هذا الحدّ وينسحبوا. وبعد يومين، حضر إلى قرية رفيقة مع بعض الهنود، فوجد جثة الأب غارنييه مجمّدة بالثلج. فغسّله، وحفر حفرة عميقة بالقرب من الكنيسة، ودفنه مع باقي القتلى من إخوته الذين أحبّهم، وبذل ذاته من أجلهم.
أعلن البابا بيّوس الحادي عشر الأب شارل غارنييه اليسوعيّ طوباويًّا يوم 21 حزيران (يونيو) 1925. وزاد البابا نفسه في إكرامه فأعلنه قدّيسًا يوم 29 حزيران (يونيو) 1930. ويُحتفل بعيده في يوم 19 تشرين الأوّل (أكتوبر) من كلّ سنة.

القدّيس يوحنا بيركمانس

شفيع الدارسين
"ما أعجبنا فيه على وجه العموم هو أنّه أظهر في فضائله أنّه يتمتّع بنفس تتوق إلى الكمال، وأنّه، بعون النعمة الإلهيّة التي تجاوَب معها إلى أقصى الحدود، أنجز أعماله بكلّ الكمال الذي يمكن الإنسان أن يتصوّره". بهذه العبارة نعى رئيس الدير ابنه الفقيد يوحنا بيركمانس. فالإنجازات الخارقة ليست ضروريّة للقداسة. وسيرة هذا القدّيس خير دليل على ذلك.
ابن الدبّاغ
jean-berchmans-00ولد يوحنا بيركمانس في بلدة ديِيست البلجيكيّة يوم 13 آذار 1599، لأسرة فقيرة تقيّة وفاضلة، ربّته منذ نعومة أظافره على التقوى والإيمان وحبّ الله والقريب. كان أبوه دبّاغًا، وكان يتمنّى أن يدعو ابنه إلى أن يكون كاهنًا. فأرسله إلى دار الإكليريكيّة الصغرى بالأبرشيّة، وهو في التاسعة من عمره، ليباشر دروسه الأساسيّة مع عدد من الأولاد الذين يفكّرون في الدعوة الكهنوتيّة. وهناك، تعلّم يوحنا بيركمانس خدمة القدّاس، وتعمّق في حياة الصلاة، بمساعدة كاهن كان يشرف عليه.
وبعد ثلاث سنوات، اشتدّت الضائقة الماليّة على أهل يوحنا، ولم يعد باستطاعة والده أن يدفع له مصاريف الدروس. فقرّر أن يسحبه من المدرسة، وأن يعلّمه حرفة يرتزق بها فيساعد أسرته في ضيقها المادّي. وكان لقرار والد يوحنا وقع الصاعقة على الفتى الذي أحبّ الدرس، وعشق التعلّم. وعلاوة على هذا كلّه، كان يرغب رغبة شديدة في أن يصير كاهنًا. وإذ بأحلامه تتبدّد، وبآماله تتحطّم على صخرة الفقر والعوَز.
عمَل ودرس
علِم الأب المشرف على الدير في دييست بماساة أسرة بيركمانس. وكان يعرف يوحنا حقّ المعرفة، ويعلم ما في نفسه من فضيلة وتقوى واشتياق إلى سرّ الكهنوت. فعرض على والده أن يأخذه ليخدم في بيته، وأن يتكفّل هو بمصروفاته المدرسيّة. وقبِل الوالد هذا العرض، فذهب يوحنا إلى مُخلِن، وبدأ يخدم المائدة في بيت الأسقف فرويمونت ويلبّي بعض احتياجات رئيسه، ويعتني بطلاب المدرسة الداخليّة، حيث يتابع هو أيضًا دروسه.
وعلى الرغم من صعوبة العمل، كان يقوم بجميع واجباته على أكمل وجه، سواء في الدرس أو في الخدمة. فبعد يوم درس شاق، كان يخدم المائدة، وينظّف الأطباق، ويكنس أرض البيت... ولم يهمل حياته الروحيّة، بل واظب على الصلاة يوميًا وعلى الذهاب إلى القرى في يوم الأحد ليعلّم الصغار التعليم المسيحيّ. وكان التزامه بالحياة الروحيّة والصلاة يمنحه القوّة لكي يتحمّل مشقّات الحياة، وينشر الفرح في نفوس الذين يلتقونه.
اترك كل شيء واتبعني
وشارك يوحنا الطلاب بمدرسته في مسرحيّة تروي حياة أحد الشهداء، وقام بدور الشهيد، فشعر بتعزية كبيرة. واكتشف من خلال قيامه بهذا الدور أنّ الشهادة لا تقتصر على سفك الدم في سبيل الإيمان، بل يمكنها ان تتحقّق كلّ يوم في الإماتات، والتخلّي عن الملذّات الدنيويّة. وفي سنة 1615، فتح الآباء اليسوعيّون مدرستهم في مخلن. فتردّد يوحنا عليهم وتعرّف إليهم. وصار قلبه يميل شيئا فشيئا إلى حياة اليسوعيّين. فقرّر أن يترك المعهد الأبرشيّ، ويدخل الرهبانيّة اليسوعيّة. وحين فاتح أباه بما عزم عليه، حزن والده واغتمّ. لأنّه كان ينتظر رسامة ابنه بفارغ  الصبر. فالكاهن ينال الصدقات والتبرّعات، ويمكنه أن يساعد أسرته بها. أمّا الراهب اليسوعيّ، فهو إنسان ينذر بأن يعيش حياة الفقر، ولا يمكن أسرته أن تستفيد منه ماديًا. ولمّا كان والد يوحنا بيركمانس إنسانًا تقيًا ورعًا، شعر بأنّ قرار ابنه هو دعوة من الله، ولا يحقّ له أن يعارضها. فقبل أن يدخل ولده في الرهبانيّة اليسوعيّة، وباركه وتمنّى له النجاح والتوفيق.
آلام ودموع
jean-berchmans-01وفي يوم 24 ايلول 1616، بدأ يوحنا بيركمانس، وهو في السابعة عشرة من عمره، حياته الرهبانيّة بدار الابتداء في مخلن. وصار قدوة لزملائه في جميع الأعمال التي يقوم بها، لأنّه ينجزها بدقّة وإتقان وفرح، مهما كانت قاسية أو وضيعة. وتعلّم في الابتداء السيطرة على نفسه وعدم الاستسلام لغرائزه. ولم تكن التقشّفات التي يقوم بها على المائدة أو في العمل إلا وسيلة للتقدّم في الحياة الروحيّة. وفي ذلك الحين، توفيت والدته، فهجر أبوه مهنة الدباغة، والتحق بإكليريكيّة الأبرشيّة كاهنًا. ففاجأه النبأ وشكر الله على إيمان أهله، وشعر بأنّ ما فعله والده حافز يدفعه نحو السير قدمًا في طريق الكهنوت. لكنّ فرحته لم تكتمل، لأنّ أباه فارق الحياة إثر مرض عُضال أصابه وهو في الإكليريكيّة، قبيل نذوره الرهبانيّة التي قدّمها يوم 25 أيلول 1618. وذهب يوحنا بيركمانس إلى أنتوورب ليدرس الفلسفة في جامعتها. غير أنّه تلقّى أمرًا بالذهاب إلى روما بعد ثلاثة أسابيع من وصوله إلى تلك المدينة. فسافر للحال،  ووصل إلى المدينة الخالدة يوم 31 كانون الأوّل من السنة نفسها. وأقام في المعهد الرومانيّ.
التجارب
أحبّ يوحنا بيركمانس دروس الفلسفة وبرز فيها. لكنّه لم ينشغل بها عن خدماته داخل الدير، خصوصًا عن خدمة المرضى. وكان يرافق بعض الآباء في يوم الأحد ويصغي إلى عظاتهم بانتباه، ويحلم بذلك اليوم الذي سيقف فيه على مذبح الربّ، يعظ ويمنح المؤمنين الأسرار المقدّسة. وكانت أحلامه تتبدّد أحيانًا حين يأتي المجرّب ليمتحن إيمانه. وكم من مرّة استولى عليه شعور باليأس والقنوط من الصلاة التي كان يعشقها، وكم من مرّة دخل الشك إلى نفسه. وكان كلّما اجتاحته هذه المشاعر، يجثو على ركبتيه ويصرخ بصوت عالٍ: "في رهبانيّتك اليسوعيّة يا رب، ما أنا إلا غصن لا يأتي بثمر. فلا تفصلني عن كرمتك، بل ابعث فيّ برحمتك الوافرة ماء حياة نعمتك".
إرهاق الدروس
وبعد ثلاث سنوات، طلب منه أساتذته أن يستعدّ لمناقشة عامّة علنيّة في حقل الفلسفة سيُعدّها كبار أساتذة هذا العلم. فبذل جهدًا مضاعفًا ليُعدّ امتحاناته النهائيّة، وليستعدّ للمناقشة العلنيّة. وأثّر ذلك في صحّته تأثيرًا بالغًا، لأنّه كان يسهر حتّى ساعة متأخرة من الليل، ويستيقظ باكرًا. وبعد المناقشة العلنيّة التي تمّت يوم 8 تموز، وصل إلى المعهد نبأ يفيد بأنّ المعهد اليونانيّ ينظّم مناقشة مماثلة في عيد تجلّي الربّ في 6 آب، ولمّا كان يوحنا من خيرة التلاميذ، طلب منه أساتذته أن يستعدّ لهذه المناقشة. فأطاع ولم يتذمّر، رغم احتياجه الشديد إلى الراحة، خصوصًا وأنّ علامات المرض بدأت تظهر على وجهه الذي ازداد اصفرارًا. جهد وإعياء كبيران، وحرارة طقس لا تطاق بروما في فصل الصيف، كلّ هذا أثّر في صحته تأثيرًا سيئًا. ففي اليوم الذي تلا مناقشة المعهد اليونانيّ، أصيب بأوّل نوبة دفتريا. واشتدّت عليه الحمّى، وشحب وجهه. ولاحظ الأب الرئيس ذلك، فطلب منه أن يذهب إلى غرفة العلاج الطبّي في الدير.
jean-berchmans-02النزاع
واشتدّت وطأة المرض، وأصيب يوحنا بالتهاب رئويّ، وبدأ جسمه يضعف يومًا بعد يوم. وحضر أعضاء جماعته لزيارته، فحدّثهم حديثًا روحيًا عن الفردوس والرجاء المسيحيّ، وكأنّه كان يعلم بدنوّ أجَله. وفي اليوم التالي، طلب الممرّض كاهنًا ليمنحه سرّ القربان المقدّس، ولم يكن ذلك اليوم يوم أحد، وهو اليوم الوحيد الذي يتناول فيه المؤمنون جسد الرب بحسب عادة أهل ذلك الزمان. وعندما علِم يوحنا أنّ هذا هو تناوله الأخير، غمره فرح روحيّ كبير لأنّه سيكون بالقرب من الربّ بعد فترة وجيزة.
وفي صباح اليوم التالي، حضرت جماعة الدير كلّها، وتناول يوحنا جسد المسيح ودمه ثمّ نال سرّ مسحة المرضى. وترقرقت الدموع في عيون الجميع، لأنّهم كانوا يحبّونه حبًا شديدًا. أمّا هو، فكان يستعدّ لاستقبال سيّده بهدوء وسكينة. وطلب أن يأتوه بصليبه وسبحته وكتاب قوانين الرهبانيّة وقال: "هذه هي الأشياء العزيزة جدًا على قلبي. وإنّني سأموت معها راضيًا". وبعد ذلك، بدأ أصدقاؤه يأتون لتوديعه الوداع الأخير. وكان يستقبلهم بابتسامته المعهودة، ويخفي الألم الذي يعانيه من وطأة المرض. وعند المساء، جمع المريض كلّ ما تبقّى لديه من قوّة، وجثا على الأرض وبدأ يصلّي حتى فارقت الحياة جسده. ففي الساعة الثامنة والنصف من صباح يوم 13 آب 1621، سمع سكان الدير رنين أجراس الحزن، فعلموا أنّ أخاهم الحبيب يوحنا قد انتقل إلى رحمته تعالى.
 أعلن البابا بيّوس التاسع الأخ يوحنا بيركمانس اليسوعيّ طوباويًّا يوم 28 أيّار 1865. وزاد البابا ليون الثالث في إكرامه، فأعلنه قدّيسًا يوم 15 كانون الثاني 1888. ويُختفل بعيده في يوم 26 تشرين الثاني من كلّ سنة.