السبت، 14 نوفمبر 2015

«أيُّها الشيطان، أين شوكتك؟


أ- في البحث عن أصل الشرّ
في أثناء خضوع فلسطين للحكم الفارسيّ من العام 538 إلى 331 ق.م. اتّصل الفكر اللاهوتيّ اليهوديّ بالفكر اللاهوتيّ الفارسيّ القديم الذي كان يؤمن بوجود إله خير وإله شرّ. ولكن، لم يكن بوسع اللاهوتيّين اليهود التسليم بتلك النظرة الفارسيّة، لأنّ إيمانهم يقوم على وحدانيّة الله الصارمة. ...
ب- خطيئة الملائكة
Light1-01في الأزمنة القديمة، اعتبر شعب العهد القديم الله إلهًا قريبًا منه. ولكن في العصور الأخيرة قبل المسيح، ابتعد الله أكثر إلى حدٍّ أنّ الشعب كان يتحاشى لفظ اسمه، بل استخدم ألفاظًا أخرى للإشارة إليه. في كتابات العهد القديم الأولى، كان الله نفسه يكلِّم البشر: لقد كلَّم آدم وحوّاء، وتكلّم مع موسى والأنبياء. وفي المقابل، في الكتابات اللاحقة، كان يُرسل ملاكًا لكيما يوصل رسالةً إلى الإنسان. وفي العهد الجديد أيضًا هي الملائكة التي تُعلن للناس مقاصد الله: فهذا ما حصل مع مريم ويوسف، ومع رعاة بيت لحم، ومع النسوة صبيحة القيامة.   ونحن نعرف هذا الأمر من خلال الأناجيل حيث نقرأ في الغالب "ملكوت السموات" بدلاً من "ملكوت الله". قد يبدو ذلك لأوّل وهلة غنى لصورة الله وإعلاء من شأنها؛ فالله إله يملك على جيش سماويّ، على ملايين وملايين الملائكة! ولكن في الحقيقة نحن إزاء إفقار لتلك الصورة. فمن الله الحاضر مباشرة في كلّ مكان على وجه الأرض، مَن هو قريب قربًا شخصيًّا ومحبًّا ودائمًا من كلّ إنسان، انتقلنا إلى الله الذي يفكّر بعظمته إلى حدّ أنّه لا يدخل بعدُ بعلاقة بالبشر إلاّ من خلال وساطة مرسلين. لقد خُلقت بالتالي فسحةُ فراغ مهمّة بين الله البعيد المتعالي والإنسان. ومُلئت تلك الفسحة بكائنات وسيطة لم تكن لا الله ولا الإنسان: إنّها الملائكة. وقد فسح هذا التغيير المجال لإيجاد حلٍّ مقبول لمسألة الشرّ: إذا كان من المستحيل التسليم بوجود إله خير وإله شرّ، فلماذا لا يكون هنالك أرواح خيّرة وأرواح شريرة؟ لا يأتي بالتالي الشرّ من إله شرّير، بل من أرواح شريرة. ولكن من أين أتت هذه الأرواح الشرّيرة؟ لا يمكن أن تكون أبديّة، لأنّ الله وحده أبديّ. إنّه الله إذًا من خلقها. ولكن هل يمكن الله "الخيّر" أن يخلق أرواحًا "شريرة"؟ لم يبق إلاّ مخرج واحد: لم يخلق الله إلاّ أرواحًا "خيّرة". ولكنّ بعضها ارتكب الخطيئة؛ فكانت النتيجة أنّ الله عاقبها وطردها؛ وهذه كانت الأرواح "الشريرة". ومن هنا الكلام على "ملائكة ساقطة". وفي هذا الخصوص، انصرف الشعب اليهوديّ قديمًا إلى كلّ أنواع الافتراضات التي بقيت ضروبًا من التخّيلات. وثمّة تفسير لاقى انتشارًا واسعًا، رأى خطيئة الملائكة في الرغبة الجسديّة. ونجد هذا التفسير مفصّلاً بوجه خاصّ في كتاب أخنوخ الأوّل وفي كتاب اليوبيلات المنحولَين. فعندما خلق الله البشر وأنجب هؤلاء بنات جميلات وجذّابات، ضاع بعض الملائكة برفقة بنات الأرض. وترتبط هذه الأسطورة برواية ميثولوجيّة ترد في تكوين 6: 1-4، تتكلّم على دخول أبناء الله على بنات الناس ومنهنّ أنجبوا عمالقة. فكان أن قُيِّد الملائكة الخاطئون عقابًا لهم؛ وترتّب عليهم انتظار الدينونة الأخيرة في زنزانة مظلمة، وحينذاك يرمون في جهنّم الأبديّة. ونجد صدى لتلك الطريقة في فهم الأمور في العهد الجديد أيضًا. فنقرأ في رسالة يهوذا: "أَمَّا المَلائِكَةُ الَّذينَ لم يَحتَفِظوا بِمَنزِلَتِهِمِ الرَّفيعة، بل تَرَكوا مُقامَهم، فإِنَّ اللهَ يَحفَظُهم لِدَينونةِ اليَومِ العَظيم مُوثَقينَ بِقُيودٍ أَبَدِيَّةٍ في أَعماقِ الظُّلُمات" (آية 6). وفي رسالة بطرس الثانية، تُذكر خطيئة الملائكة أيضًا، إضافة إلى ذكر نوح والطوفان، ودمار سدوم وعمورة وخلاص لوط، ونستنتج منها أنّ الله يعاقب الفجّار ويخلّص الأتقياء (2: 4-9).
فضلاً عن ذلك، إلى جانب خطيئة الرغبة الجسديّة، عرفت المخيّلة اليهوديّة البدائيّة تفسيرًا آخر لإدانة الملائكة، يستمدّ عناصره من تعليم العهد القديم القائل بأنّ الله خلق الإنسان على صورته. تبعًا لذلك التفسير الأسطوريّ، خُلق آدم على صورة الله على نحوٍ أشدّ روعة من جميع الملائكة. ولا يتوقّف الأمر عند ذلك الحدّ، بل يطلب الله إلى الملائكة توقير آدم بصفته صورته نفسها. فأطاع الملاك ميخائيل والملائكة الآخرون الذين كانوا تابعين له. أمّا الشيطان وملائكته فرفضوا الطاعة. فطردوا بنتيجة ذلك من السماء إلى الأرض، في حين أنّ آدم تابع تنعّمه في الجنّة. غير أنّ الشيطان الذي خسر سيادته بسبب الإنسان، لم يطق نعيم آدم، وامتلأ حقدًا وحسدًا. فسعى لتحريض آدم على عصيان الله فيكون له مصيره عينه. وإذ أخفق في مسعاه لدى آدم، نجح لدى حوّاء. في الكتاب المنحول بعنوان حياة آدم وحوّاء، يتمّ وصف الشيطان والسقوط كما يلي: "فتَقدّمَ إذًا ميخائيل وصاح بجميع الملائكة: قدّموا الإكرام إلى صورة الله ومثاله، كما أمر السيّد! وكان ميخائيل أوّل مَن كرّمها. ومن ثمّ خاطبني وقال: قدّم الإكرام إلى صورة الله ومثاله! فأجبته: لست بحاجة إلى إكرام آدم. وإذ حثّني على القيام بذلك، قلت له: لماذا تضايقني؟ ومع كلّ ذلك، لن أكرّم أحدًا أصغر منّي وأدنى منّي. لقد خُلقت أنا قبله. قبل أن يُخلق هو، خُلقت أنا. هو مَن يجب عليه تكريمي. وعندما سمع ذلك الملائكةُ الآخرون المعتمدين عليّ، أبَوا أن يكرّموه. فقال ميخائيل حينئذٍ: أكرمْ صورةَ الله ومثاله! فإن لم تقم بذلك، يتّقد غضب السيّد بسببك. فأجبته: إذا غضب بسببي، سأضع عرشي على نجوم السماء وسأكون مماثلاً للعليّ. فاستشاط السيّد الله غضبًا عليّ، وطردني من سيادتنا أنا وملائكتي. فطردنا إذًا من مساكننا لكي نأتي إلى هذا العالم ونفينا إلى هذه الأرض بسببك. وأسفنا فورًا، لأنّنا جُرّدنا من أبّهة عظيمة. وإرغامنا على رؤيتك بمثل ذلك الفرح وتلك الغبطة، أنزل الغمّ بنا. وبمكرٍ، أوقعت امرأتك بشباكي إلى درجة أنّك، بسببها، نُزعتَ من فرحك ومن غبطتك كما نُزعت أنا نفسي من سيادتي" (الآيات 14-16).
وبالتالي، في أصل خطيئة الجنّة، أصبحت تُرى حيلة الشيطان الذي اعتُبر هو نفسه الحيّة. وليست هذه الخطيئة الأُولى وحدها التي عُزيت إلى تجربة شيطانيّة، بل كلّ خطيئة ارتكبها البشر. فالشيطان يحسد الإنسان بسبب سلامه مع الله، لأنّه هو نفسه لا سلام له. وصاحب سفر الحكمة يُعبِّر عن هذه الفكرة إذ يكتب: "لكِن بِحَسَدِ إبليسَ دَخَلَ المَوتُ إِلى العالَم" (2: 24)؛ ذلك لأنّ الموت هذا نُسب إلى خطيئة آدم.
إضافة إلى ما تقدّم، نجد في نصوص يهوديّة منحولة أيضًا صيغةً تفيد بأنّ الملائكة، بغية التكفير عن خطاياهم، قد أقصوا إلى مكان بين السماء والأرض، أي المحيط الجويّ. ولهذا لدينا أيضًا صدى في العهد الجديد. فالرسالة إلى أهل أفسس تتكلّم على "أصحاب رئاسة وسلطان" يسكنون الفضاء (3: 10؛ 6: 12). وفي المرجع نفسه في الفصل الثاني، نجد كلامًا بالمفرد على "سَيِّدِ مَملَكَةِ الجَوّ، ذاك الرُّوحِ الَّذي يَعمَلُ الآنَ في أَبْناءِ المَعصِيَة" (2: 2). وفي الواقع، تبعًا للكتابات المنحولة المذكورة، لعالم الأرواح الشريرة قائدٌ ملك. وإنّه هو عدوّ النظام الإلهيّ في العالم، وفاعل الشرّ والبؤس في الأرض؛ ومن هنا اسمه: "سيّد هذا العالم". ونحن نعلم أنّ هذه التسمية معروفة في إنجيل القدّيس يوحنّا (12: 31؛ 14: 30؛ 16: 11). والقدّيس بولس يسمّيه أحيانًا "إلهُ هذهِ الدنيا" (2 قورنتس 4: 4).
ج - ...  وفي "العهد الجديد"
Light1-02كان لهذا النوع من التفكير تأثيره أيضًا في التفسير المسيحيّ لرواية تجارب يسوع: إذا كان الشيطان لينجح في إسقاط يسوع، لكان أحبط فداء البشريّة. ولكنّنا نفهم أفضل الآن أنّ ذلك لم يكن معنى الرواية الحقيقيّ. فالإنجيليّون حاولوا وصف تجارب يسوع ومحنته وفقًا لطريقة تفكير عصرهم. لذا، يُخطئ أيّ لاهوتيّ، ولا شكّ، في معنى المسألة، إذا أراد تطوير لاهوت عن الشيطان انطلاقًا من هذا النصّ. وبالتالي، فالاهتمام كلّه ينصبّ على يسوع وعلى قبوله مشيئة الآب. أمّا الشيطان فيشخّص الاحتمال الثاني فقط، أي رفض تلك المشيئة. وفي الواقع، تدور المأساة البشريّة، إذا اعتبرناها بجديّة، على هذا المستوى: قبول مشيئة الآب السماويّ ورفضها؛ قبول مشيئة الحياة الحقيقيّة بحسب قلب الآب أو الانصراف عنها، وبالتالي ضياع الوجهة أو الهدف مع ما يرتّب ذلك من مآس.
يتّضح لنا في ضوء ما تقدّم، أنّ ما يرد في العهد الجديد عن الشيطان لا يمكن أن ينتمي إلى رسالة الإيمان الأساسيّة، بل يتّصل ببساطة بمفهوم العالم الخاصّ بالكتاب المقدّس. فتلك اللفظة تعكس ببساطة الأفكار التي شاعت في الكتابات اليهوديّة القديمة، وأثّرت في الفكر الدينيّ في ذلك الزمن. لذا، فالأمر لا يتّصل بمعرفة إذا ما كانت الأسفار المقدّسة تستخدم عبارات الشيطان أو إبليس أو الأرواح النجسة، بل معرفة قصدها من تلك الألفاظ. فمن الثابت أنّ عبارة "الشيطان" في العهد الجديد تحلّ محلّ كلمة "خطيئة". فحيث نقرأ كلمة "شيطان" أو "إبليس"، يمكن أن نقرأ أيضًا كلمة "خطيئة". فما يحول دون أن تنبت كلمةُ الله في قلبنا ليس "الشيطان"، بل "الخطيئة". والقدّيس بولس يفكّر في الأمر عينه عندما يكتب إلى جماعة أفسس قائلاً: "لا تَجعَلوا لإِبليسَ سَبيلاً" (أفسس 4: 27). ليس المقصود أن يغلقوا قلوبهم في وجه "إبليس"، بل في وجه "الخطيئة": "لِذلِك كُفُّوا عنِ الكَذِب "ولْيَصدُقْ كُلٌّ مِنكُم قَريبَه"...لا تَغرُبَنَّ الشَّمْسُ على غَيظِكم... مَن كانَ يَسرِقُ فلْيَكُفَّ عنِ السَّرِقَة، بلِ الأَولى بِه أَن يَكُدَّ ويَعمَلَ بِيَدَيه... ولا تُحزِنوا رُوحَ اللّه القُدُّوسَ... أَزيلوا مِن بَينِكم كُلَّ شَراسةٍ وسُخْطٍ وغَضَبٍ وصَخَبٍ وشَتيمة وكُلَّ ما كانَ سُوءًا. لِيَكُنْ بَعضُكم لِبَعضٍ مُلاطِفًا مُشفِقًا، ولْيَصفَحْ بَعضُكم عن بَعضٍ كما صَفَحَ الله عنكم في المسيح" (أفسس 4: 25-32). 
خلاصة
Light1-03تبعًا لتفسير التيّار اللاهوتيّ هذا، يرتبط تشخيص الشرّ بإطار ثقافيّ معيّن، ودوره ينحصر في إظهار الحقيقة التي تطبع بعمق الحياة البشريّة، ألا وهي أنّ الخطيئة المتّصلة بميل الإنسان إلى الشرّ (كما إلى الخير)، انتشرت في التاريخ وباتت من دون ضوابط، والخلاص منها لا يمكن أن يكون إلاّ من خلال عمل النعمة في قلب الإنسان. لذا، تترجّح مأساة الإنسان دومًا بين دعوة الآب بابنه يسوع إلى الاستسلام لعمل نعمته، وميله إلى الشرّ، بل واختباره قوّة الشرّ عليه.
لم يأت المسيح ليقهر "الشيطان"، بل ليقهر "الخطيئة" التي تؤول إلى الموت الروحيّ. لقد فتح يسوع باب الخلاص لكلّ مؤمن، لأنّه بيَّن بموته وقيامته أنّ حبّه أقوى من شرّ الإنسان وخطيئته. وبقدر ما أنّ عمل الخلاص هذا يكشف عن حبّ إلهيّ مجنون للإنسان، يضع هذا الإنسان، من جهة، أمام مسؤوليّته ويدعوه إلى تحمّلها بجديّة، ويفتحه، من جهة ثانية، على معنى حياته الإيمانيّة الحقيقيّة وخلاصتها العمل مع يسوع من أجل جمع "شمل أبناء الله المشتتين" (يوحنّا 11: 52).

مفهوم الصوم في الحضارات الدينيّة قبل الميلاد

الصوم هو إحدى السمات المشتركة للديانات التوحيديّة وغير التوحيديّة. وهو بالتعريف امتناع لفترة محدودة عن الطعام أو عن أيّ شيءٍ آخر كالجنس أو التبرّج أو الكلام المؤذي... وقد مارس الناس في الديانات الشرقيّة الصوم بطرائق مختلفة. فمنهم مَن كان يتناول وجبة واحدة يوميًّا في ساعة متأخّرة من النهار، ومنهم مَن يكتفي بتناول الخبز والماء...
صوم الديانات القديمة
CAREM-02كان الصوم في الديانات القديمة يرتبط دومًا بطقوس المُسارة Initiation  ، وهي الطقوس الّتي يتمّ فيها ضمّ شخصٍ (ذَكَرٍ بالتحديد) إلى جماعة بعد إطلاعه على أسرارها. وارتبط الصوم أيضًا بالتجديد أو الحزن أو التطهير والتنقية. ففي الديانات الآسيويّة، يُمارَس الصوم لتفجير الطاقات الكامنه في الإنسان، الّتي يعيق الطعام نشاطها، ولتنقية الجسم من السموم الّتي تتراكم فيه من الطعام والهواء غير النقيّ. واستعمل الطبّ الصينيّ الصوم لعلاج كثيرٍ من الأمراض. وحتّى الآن، حين يصاب الصينيّ بالحمّى يصوم، فلا يتناول سوى الماء. وهي طريقة تختلف عن طريقتنا الّتي تعتمد على تغذية المريض بالفيتامينات لمساعدة جسمه على مقاومة المرض. كما يُمارَسُ الصوم للارتقاء الروحيّ. ففي سيرة سيذهارتا غوتاما (البوذا)، كان الصوم وسيلةً لبلوغه حالة الانطفاء (النيرفانا). "لن آكل شيئًا ولن أشرب ولن أتحرّك من هنا حتّى أبلغ مرامي". هذا ما قاله البوذا حين عزم على سبر غور حيواته السابقة.
ومارس الفراعنة الصوم، لأنّه في نظرهم أكثر الطرائق جدوى وبساطة لكبح البؤس والضعف والغضب. فبامتناع الصائم عن الطعام يُضعف هذه الرذائل، وينقّي المآت (أي القلب، أو الضمير، أو السلوك الأخلاقيّ) منها. وكان القدماء يرفقون الصوم عن الطعام بانقطاعاتٍ أخرى كالامتناع عن العمل وعن الكلام وعن الجنس وعن مختلف متع الحياة.
ومنذ قديم الزمان أيضًا، وفي جميع الأديان، كان الصوم يتمّ في جوٍّ من الحزن والألم. حين يصوم الإنسان يتألّم ويشعر بمأساة العجز، فينمو لديه شعور بالشفقة والحاجة إلى طلب النعمة وتسوّل الصفح والمغفرة. فيمكننا أن نقول إذًا إنّ صوم الديانات القديمة هو عمل تكفيريّ، وألمٌ ينـزله الإنسان بنفسه فينال منه التنقية، ويطرد عن نفسه – أو عن جسده – جميع أنواع الشرور.
الصوم في العهد القديم
كان اليهود يصومون لأسبابٍ متنوّعة. فمنهم مَن ينذر الصيام لينال نعمةً من السماء، ومنهم مَن يصوم ليشكر الله على نعمةٍ نالها منه، أو ليستغفره من أجل خطيئةٍ ارتكبها. ويسمّون الصوم "استئناس النفس". أمّا الصوم القانونيّ، أي الّذي تفرضه الشريعة على كلّ يهوديّ، فكان لمدّة يومٍ واحدٍ في السنة، وهو العاشر من شهر كيبور (تشرين الأوّل- أكتوبر) في أثناء الاحتفال بعيد التكفير. فقد ورد في سفر الأحبار: "في اليوم العاشر من الشهر السابع، تذلّلون نفوسكم بالصوم ولا تعملون عملاً... لأنّه في هذا اليوم يكفَّر عنكم لتطهيركم" (16: 29-30). فصوم اليهود هو صوم تكفير وتطهير.
CAREM-01وأضاف اليهود بعد السبي ثلاثة أيّامٍ أخرى يصوم فيها الشعب كلّه.
اليوم الأوّل هو اليوم العاشر من الشهر العاشر، وهو بدء حصار البابليّين لأورشليم.
اليوم الثاني هو اليوم السابع من الشهر الخامس، وهو يوم خراب الهيكل في أورشليم على يد البابليّين.
اليوم الثالث هو اليوم الثالث من الشهر الرابع، وفيه قُتِلَ الملك جدليّا، آخر ملوك اليهوديّة. وبموته فقد اليهود الحكم نهائيًّا.
"وهذا ما قاله الربّ القدير: صوم الشهر الرابع والخامس والسابع والعاشر سيكون لبيت يهوذا سرورًا وفرحًا وأعيادًا طيّبة، فأحبّوا الحقّ والسلام" (زكريا 8: 19).
ومنعت الشريعة اليهوديّة الصوم يوم السبت، لأنّ الصوم في هذا اليوم يعني رفض العالم الّذي خلقه الله. واستثنت من هذا المنع يوم التكفير، إذ يجوز الصيام فيه حتّى وإن وقع يوم سبت. وسمحت الشريعة أيضًا بالصوم في السبت إذا رأى شخصٌ كابوسًا في حلمه مساء الجمعة. فالاكتئاب الّذي ينتج عن هذا الكابوس يمنعه من المشاركة في أفراح السبت. ويؤمن اليهود بأنّ الصوم في اليوم التالي للكابوس يلغي القدر المحتوم، ويمنع الحلم المزعج من الحدوث. ولكن على الصائم أن يصوم ثانيةً في أثناء الأسبوع تكفيرًا عن خطيئة صيامه يوم السبت.
سمات الصوم اليهوديّ
CAREM-03يصطبغ الصوم اليهوديّ بصبغة الحزن، لأنّ المناسبات الّتي يصوم اليهوديّ فيها حزينة. وللصوم سمات عدّة:
إنّه وسيلة تكفير: ففي يوم التكفير، يتذكّر اليهوديّ أنّ الله أبرم عهدًا مع شعبه، لكنّ هذا الشعب خان العهد بخطيئته. لذلك وجب عليه أن يتوب ويصوم. "إئتزروا بالمسوح واندبوا أيّها الكهنة. ولولوا يا خدّام المذبح. ادخلوا الهيكل وبيتوا بالمسوح يا خدّام إلهي... تقدّسوا للصوم ونادوا على الصلاة" (يوئيل 1: 13-14).
وهو أيضًا وسيلة تضرّع: فالصلاة لا تكون حارّة إلاّ إذا رافقها صوم. وغاية التضرّع هي أن يمنع الله مصيبة توشك أن تحلّ بإنسان. حين جاء بنو موآب وبنو عمّون لمقاتلة يوشافاط، "خاف يوشافاط واستنجد بالربّ وأعلن الصوم في جميع يهوذا" (2أخبار 20: 3). وحين هجم أليفانا قائد جيش نبوخذنصّر على اليهوديّة، "صرخ كلّ شعب إسرائيل إلى الله وصاموا، وانسحقوا أمامه، ولبسوا المسوح هم ونساؤهم وأولادهم" (يهوديت 4: 9-10).
والصوم أيضًا وسيلة تواضع، به يذلّل الإنسان نفسه ليعبّر عن خضوعه واستسلامه الكامل لله. "أذللتُ بالصوم نفسي، فصار ذلك عارًا عليَّ" (مزمور 69: 11). فبوساطة الصوم، يقول الصائم لله: لا حول لي ولا قوّة إلاّ بكَ.
والصوم أيضًا وسيلة للقاء الرب. فقد صام موسى أربعين يومًا وأربعين ليلةً ليتلقّى الوصايا من الله ثانيةً بعد أن حطّم اللوحين الأوّلين بسبب عبادة الشعب للعجل الذهبيّ. "ولمّا نزل موسى من جبل سيناء... كان لا يعرف أنّ وجهه صار مشعًّا من مخاطبة الربّ له" (خروج 34: 29). وكذلك استعدّ إيليّا بالصوم للقاء الربّ على جبل الله حوريب (1ملوك 19: 8).
CAREM-04ولماذا يجب الصيام قبل لقاء الله؟ يقول التلمود، وهو كتاب شرح التعاليم اليهوديّة، إنّ الإنسان يقبل تلقائيًّا أن يحرم نفسه بعض المتع احترامًا لوجود الآخر. فيلغي مثلاً احتفالاً إذا مات جاره، أو يبقى مع ضيفه حتّى وإن كان تعبًا. ألا يتوجّب عليه أن يزعج نفسه بالصوم حين يدنو من خالقه؟ فالصوم، بهذا المفهوم، يندرج مع خلع النعلين وتغطية الوجه والتعفّف والامتناع عن لمس أو الاقتراب ممّا هو مقدّس. إنّه سلوك تلقائيّ لإنسان يدرك وحدة جسده ونفسه، فلا تستطيع النفس التسامي نحو الله طالما الجسد منغمس بالملذّات والشؤون الأرضيّة. فبالصوم تتحرّر النفس من معوقاتها الأرضيّة، وتصبح حرّةً طيّعة بين يديّ خالقها.
وعلى الرغم من جميع هذه المفاهيم الروحيّة السامية للصوم اليهوديّ، عاش اليهود صيامهم بطريقةٍ حرفيّة شرعويّة خالية من الروح. فثار الأنبياء على الصوم لكنّهم لم يلغوه، وأشاروا إلى ضرورة ممارسته بموقفٍ قلبيّ، وبإتمام شرائع محبّة القريب والعدالة الاجتماعيّة. "فالصوم الّذي أريده أن تُحَلَّ قيود الظلم، وتُفكَّ مرابط النير، ويُطلَقُ المنسحقون أحرارًا، ويُنـزَع كلّ نيرٍ عنهم. أن تفرش للجائع خبزك، وتدخل المسكين الطريد بيتك. أن ترى العريان فتكسوه، ولا تتهرّب من مساعدة قريبكَ" (أشعيا 58: 6-7).
بقي علينا أن نقول إنّ الّذين آمنوا بما قاله الأنبياء في العهد القديم كانوا أوّل مَن ربط في منطقة الشرق الأدنى الصوم بالصلاة والصدقة، كما فعل الهندوس والبوذيّون قبلهم بكثير. "الصلاة والصوم خير، وكذلك الصدقة والإحسان" (طوبيّا 12: 8). وقد ظلّ هذا الارتباط قائمًا في المسيحيّة كما في الإسلام.

نشوى الروح

ورد في أعمال الرسل (الفصل الثاني) أنّ التلاميذ أعلنوا البشارة لأوّل مرّة في ذلك اليوم، حينها أنضمّ حوالى الثلاثة آلاف شخص إلى الكنيسة. من المفروغ منه أنّها كانت بشارة بليغة، لكن أين عساها يا تُرى قوّتها؟ فلم يندهش الجمع لمشاهدتهم معجزات أو شفاءات أو تصاعد في الخطاب. بل على العكس، فما خطف مخيّلتهم هو عدم وقوع الرسل في فخّ الاحباط. بل على العكس، فبعض الحضور عزا نشوة الرسل إلى سكرهم. في الحقيقة، كان التلاميذ سكارى منتشيّن، لا بالمشاريب الروحيّة، بل بالرّوح القدس عينه. فقد شاهد الجموع مجموعة من الناس يملؤن الساحات والشوارع بسعادتهم، بدل أن يكونوا فزعين، أسيري العلّية وكلّ مخبئ لِم حلّ بيسوع المسيح يوم الجمعة. لقد كان هذا التحوّل الملموس والدراميّ في حياة هذه الجماعة الصغيرة من صيّادي السمك وجامعي الضرائب السبب المباشر لانضمام هذا الكمّ من الناس إلى الكنيسة الأولى. ونحن اليوم، أيّ تحوّل في حياتنا يقود الناس من حولنا لدخول الكنيسة؟

السبت، 7 نوفمبر 2015